الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
131
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وبين الشيء والصفة والشأن والطريق واختاره القول به وظاهر ما ذكره في الاحتجاج عليه إرجاعه الطريق إلى الشأن والصفة والغرض إلى الشيء فيكون عنده مشتركا بين الثلاثة وكيف كان فالأظهر كونه حقيقة في القول المخصوص وما يعم المعاني المذكورة ولا يبعد أن لا يجعل الشيء هو المعنى الشامل لها ما عدا القول فيكون كل من تلك الخصوصيات مفهوم من تلك الخصوصيات مفهوما من الخارج ويكون اللفظ مشتركا بين المعنيين المذكورين لنا تردد الذهن بين المعنيين حال الإطلاق وهو دليل الاشتراك وكثرة استعماله في غير القول من غير علاقة ظاهرة بينه وبين القول مصححة للتجوز ولو فرض وجود علاقة بعيدة فلا يبتنى عليه الاستعمال الشائع بل الظاهر من ملاحظة موارد استعماله عدم ملاحظة المناسبة بينه وبين القول كما هو ظاهر للمتأمل فيها ودعوى تحقق العلاقة بينهما كما في النهاية خلافا نظرا إلى أن جملة ما يصدر من الإنسان لما اندرج فيها القول في الدلالة على تسديد أغراض الإنسان كما ترى واحتمال كونه حقيقة في القدر المشترك بعد ما عرفت من وهنه من جهة الاتفاق على خلافه حسبما ذكروه ومخالفته لفهم العرف مدفوع بأنه ليس هناك جامع بين الأمرين ليمكن القول بوضع اللفظ بإزائه وأخذ مفهوم أحد المعنيين معا بينهما في المقام متعلقا للوضع كما ذكر العضدي بعيد غاية البعد بل قد يقطع بفساده عند ملاحظة الاستعمالات بل ملاحظة سائر الأوضاع إذ لا نظير له في شيء من الأوضاع ويظهر من الأحكام جعله للقدر المشترك بين المعنيين والشأن والصفة حيث قال إن مسمّى الأمر إنما هو الشأن والصفة وكلما صدق عليه ذلك نهيا كان أو غيره يسمى أمرا حقيقة قال وعلى هذا فقد اندفع ما ذكروه من خرق الإجماع فإن ما ذكرناه من جعل الشأن والصفة مدلولا لاسم الأمر من حكمه ما قيل وهو أيضا بين الوهن كيف ولو كان كذلك لكان صدقه على القول المخصوص وعلى النهي على نحو واحد ومن الواضح بعد ملاحظة العرف خلافه ومن البين أيضا أن فهم القول المخصوص من لفظ الأمر ليس من جهة من مصاديق الشأن وكان ما ادعاه في المقام مصادم للضرورة والظاهر أن ما ذكره من قول بعضهم بكون الشأن والصفة مدلولا لاسم الأمر إشارة إلى ما ذهب إليه أبو الحسين حيث لم ينسب ذلك إلى غيره وهو إنما يقول باشتراكه لفظا بين معاني عديدة حسبما حكاه هو وغيره فجعل ذلك شاهدا على عدم كون ما ذهب إليه خرقا للإجماع كما ترى ويمكن الاحتجاج على فساده أيضا بما يرى من اختلاف جمعه بحسب المعنيين فلو كان متواطيا كما ادعاه لم يتجه ذلك إذ لا وجه لاختلاف جموع اللفظ بحسب المصاديق مع اتحاد معناه ولا نظير له في سائر الألفاظ وقد مرت الإشارة إليه في محله بل ظاهر اختلاف الجمعين يومي إلى الاشتراك حسبما مر بيانه والقول بكون أوامر جمعا للأمور كما حكاه عن البعض في غاية البعد كما عرفت حجة القول بكونه مجازا فيما عدا القول المخصوص وجوه موهونة سوى الاستناد إلى أصالة تقديم المجاز على الاشتراك بعد ثبوت كونه حقيقة في خصوص القول المخصوص نظرا إلى الاتفاق عليه ويدفعه ما عرفت من قيام الدليل على كونه حقيقة في غيره أيضا حجة القول بكونه للقدر المشترك قضاء الأصل به حيث استعمل في كل من المعنيين وقضية دفع الاشتراك والمجاز المخالفين للأصل أن يكون حقيقة في القدر المشترك الجامع بينهما وقد عرفت وهنه بما قررناه سيما بملاحظة ما مر من وهن الأصل المذكور على الإطلاق حجة أبي الحسين ومن وافقه تردد الذهن بين المعاني المذكورة عند سماع لفظ الأمر خاليا عن القرائن وهو دليل الاشتراك ويوهنه بعد تسليمه أن القدر المسلم منه أنه يدل على الأعم مما ذكره وذكرناه فلا دلالة فيه على خصوص ما ادعاه وأما المقام الثاني فنقول إنهم ذكروا له حدودا شتى كلها مدخولة منها ما حكي عن البلخي وأكثر المعتزلة من أنه قول القائل لمن دونه افعل وما يقوم مقامه وهو منقوض بما إذا أريد من الصيغة غير الإيجاب من التحديد والتسلية والإباحة ونحوها وما إذا صدرت الصيغة بعنوان الهزل وما إذا كان القائل ناقلا للأمر عن غيره لمن هو دونه فإن قوله ذلك ليس أمرا مع أنه مندرج في الحد وما إذا كان القائل مستحفظا نفسه بجعله مساويا للمقول له أو دونه مع اندراجه إذن في الالتماس أو الدعاء وما إذا لم يكن القائل عاليا وكان مستعليا فإنه إذن خارج عن الحد مع اندراجه في المحدود وما إذا استعمل الجزء بمعنى الأمر لاندراجه في الحد مع أنه ليس بأمر على الحقيقة مضافا إلى أن الأمر نفس الصيغة الصّادرة لا التلفظ بها فإنه اسم للكلام دون التكلم وقد يذب عن بعض ذلك بما لا يخفى ومنها ما حكي عن القاضي أبي بكر والجوني وأبي الغزالي وأكثر الأشاعرة من أنه القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به وفيه أنه قد أخذ فيه لفظ المأمور أو المأمور به وهما مشتقان عن الأمر فيدور الحد وأيضا قد أخذ فيه لفظ الطاعة ومفهومها موافقة الأمر فلا يعرف الأمر بمعرفته فيدور أيضا وأنه يقتضي بيان الثواب والعقاب على امتثال الأمر أو مخالفة إقدام المأمور على فعل المأمور به فيندرج ذلك في الحد بل ذلك هو الظاهر من الحد المذكور نظرا إلى ظهور لفظ المأمور والمأمور به في حصول العنوانين المذكورين بغير ذلك القول وأنه يندرج فيه قول للتفرع مع خروجه عن الأمر فإنه يشمل قول الناقل للأمر وأنه يندرج فيه الخبر إذا كان بمعنى الأمر وقد يذب عن الدور بأن المراد بالمأمور والمأمور به من تعلق القول به وما تعلق به ذلك وهذا القدر كاف في تصورهما في المقام وأن المراد بالطاعة مطلق الامتثال والانقياد الشامل للطاعة الحاصلة بموافقة الأمر والنهي أو يتصور بغير ذلك على وجه لا يؤخذ فيه ملاحظة الأمر إلا أنه يندرج فيه حينئذ الصيغ المستعملة في الندب فينتقض بها الحد بناء على عدم كون المندوب مأمورا به ويمكن أيضا دفع عدة من الإيرادات المذكورة بما لا يخفى ومنها ما حكي عن أبي الحسين البصري من أنه قول يقتضي استدعاء الفعل بنفسه لا على جهة التذلل وفيه أنه يندرج فيه الالتماس بل وكذا الدعاء إذا لم يلاحظ فيه التذلل وأنه يندرج فيه الصيغ المستعملة في الندب فينتقض بها الحد بناء على عدم كون المندوب مأمورا به وأنه يندرج فيه الصيغ المستعملة في غير الطلب كالتهديد ونحوه من جهة قيام القرينة عليه لاقتضائها طلب الفعل بنفسها وأنه يخرج عنه اترك ونحوه مع اندراجه في الأمر ومنها ما حكي عن بعض المعتزلة من أنه صيغة افعل بإرادات ثلاث إرادة وجود اللفظ وإرادة دلالتها على الأمر وإرادة الامتثال ويخرج بالأولى اللفظ الصادر عن القائم ونحوه وبالثانية ما إذا أريد بها سائر معاني الصيغة من التهديد والإباحة ونحوهما وكذا إذا